حسن الأمين
157
مستدركات أعيان الشيعة
الحسين عليه ، على أن يكون متحدا سياسيا واقتصاديا مع سوريا ، متطابقا في ذلك مع ما قرره « المؤتمر السوري » بالنسبة للعراق . وقد أذيع هذا القرار في اليوم نفسه وأعلن فيصل تأييده له . ولكن الحكومتين الفرنسية والبريطانية رفضتا الاعتراف بشرعية قرارات المؤتمر في دمشق ، وأصرتا على اعتبار فيصل أميرا هاشميا يدير البلاد بصفته قائدا لأحد جيوش الحلفاء . وحدد موعد للاجتماع الثاني لمؤتمر الصلح ( مجلس الحلفاء الأعلى ) في « سان ريمو » في 18 نيسان ( أبريل ) 1920 ، ودعي فيصل لحضوره ، ولكنه رفض الذهاب وأوفد رستم حيدر ونوري السعيد ونجيب شقير ممثلين له ، فوصلوا سان ريمو في 23 نيسان ، وأجروا اتصالات كثيرة ، وحثوا من تمكنوا من الاتصال بهم على ضرورة أخذ رغبات السكان في البلاد التي ستوضع تحت الانتداب بعين الاعتبار ، ولكن حججهم لم تجد أذنا صاغية ، بل رفض أعضاء المؤتمر أن يعترفوا للمندوبين العرب بآية صفة رسمية ولم يسمحوا لهم بعرض وجهات نظرهم . وانتهى المؤتمر بتوزيع الانتدابات بين فرنسا وبريطانيا على النحو المعروف ، بانتداب فرنسا على سوريا ولبنان ، وبريطانيا على العراق وفلسطين ، وبذلك تم ترسيخ الاتفاقات السرية التي عقدت إبان الحرب ، ولم يكن نظام الانتداب الجديد سوى « بديل عن الاستعمار القديم » حسب اعتراف لويد جورج نفسه ، ( 1 ) وكان ذلك ، كما قال اللورد بيرد وود : « مكافاة غريبة تأتي من دول الحلفاء التي تجاهلت تعهداتها السابقة لمن ساعدوهم في تحقيق النصر » . ( 2 ) وأعقب ذلك ما أعقبه من أزمة إنذار غورو ، وموقعة ميسلون ، وخروج فيصل في 24 تموز من دمشق التي دخلها دخول الفاتحين قبل اثنين وعشرين شهرا . وكان الفرنسيون يريدون لفيصل ، بعد خروجه من دمشق ، أن يتوجه إلى الحجاز ، ويلتحق بوالده فيه ، فيكون بعيدا عن الأنظار ، وينساه الرأي العام العالمي ، ليبقى المجال مفتوحا أمامهم لتنفيذ مخططاتهم الاستعمارية في سوريا ، وتوطيد أقدامهم فيها تحت ستار الانتداب بدون أية مشاكل . ولذلك أعدوا له قطارا يقله ، مع عائلته وحاشيته ، نحو الجنوب ، فغادر دمشق إلى درعا ، وبقي فيها ثلاثة أيام مترددا بين السفر غربا إلى حيفا فاوروبا ، أو جنوبا إلى عمان فالحجاز . ولكنه قرر أخيرا أن يسافر إلى سويسرا للاتصال بمجلس السلم وبعصبة الأمم . ولما كان سفره إلى سويسرا عن طريق فرنسا متعذرا ، نظرا لما حدث بينه وبين الفرنسيين ، فارتاى أن يسافر إليها عن طريق إيطاليا ، فغادر درعا إلى حيفا ، ثم إلى بور سعيد ، حيث استقل باخرة تجارية مسافرة إلى إيطاليا . ولم يستصحب فيصل معه في هذه السفرة سوى عدد قليل من رجاله وهم نوري السعيد وإحسان الجابري وساطع الحصري ، كما كان معه أخوه الأمير زيد ، ومرافقا أخيه ، صبيح نجيب وراسم سردست . ونزل فيصل وحاشيته في ميناء « البندقية » ، ثم سافروا إلى روما ، فميلانو ، ومنها استقلوا القطار متهجين إلى سويسرا . وقبل وصولهم إلى الحدود السويسرية ، استقبلهم في الطريق حداد باشا الذي كان فيصل قد أوفده إلى لندن معتمدا موقتا له ، وأبلغهم رسالة شفوية من الجنرال كلايتن تتضمن أن « رئيس وزراء بريطانيا مشغول الآن في سويسرا باجتماعات ومذاكرات هامة ، وإن وصل الملك فيصل إلى هناك في هذه الآونة ، يربك هذه الاجتماعات والمذاكرات ، ويؤدي إلى مشاكل كثيرة ليس من مصلحة أحد اثارتها في الأحوال الحاضرة . ولهذا السبب يرجو لويد جورج من الملك فيصل أن يعدل عن السفر إلى سويسرا . وأن يتريث في إيطاليا الشمالية بعض الوقت . . . » وعلى أثر ذلك قرر فيصل البقاء في إيطاليا ، واختار مدينة « جرونوبيو » الواقعة على بحيرة « كومو » قرب الحدود الإيطالية - السويسرية مقاما له بانتظار تطور الأحداث . وكان رستم حيدر قد سافر من باريس إلى لوسرن ، فميلانو ، وكان في استقبال فيصل فيها ، ثم ذهب معه إلى جرنوبيو . وفي هذه الآونة كانت الحكومة البريطانية تدرس موضوع تأسيس حكومة عربية في العراق ، واختيار مرشح مناسب لعرشه . وكان الرأي العام البريطاني قد ضج منن عبء النفقات التي تتحملها بريطانيا في العراق ، كما أن الثورة العراقية ( ثورة العشرين ) كانت تكبد البريطانيين خسائر كبيرة في الأموال والأرواح . وكان المرشحون الذين يمكن اختيارهم لعرش العراق أو الذين يطمحون إليه ، عديدين . وإلى جانب مزايا كل واحد منهم ، كانت له عيوبه ، وعليه مأخذه من وجهة نظر بريطانيا ، أو الشعب العراقي أو الاعتبارات العملية أو الشخصية الأخرى . وقد أظهر إخراج الفرنسيين للملك فيصل من سوريا إلى الميدان مرشحا جديدا لم يكن في الحسبان ، لو لم تتخذ الأوضاع في سوريا المجرى الذي اتخذته ، أو تنته إلى النتيجة التي انتهت إليها . على أن فكرة نصب أحد أبناء الملك حسين على عرش العراق لم تكن جديدة ، فمنذ أن كان فيصل يحضر مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 ، أرسل إليه بعض العراقيين عددا من المضابط لكي يعرضها على المؤتمر ، وفيها طالبوا « باستقلال العراق تحت ملوكية أحد أنجال الحسين » . غير أن وزارة الهند ، التي كانت تتولى إدارة العراق ، لم تكن راغبة في التخلي عن حكم العراق المباشر ، ولذلك قاومت تلك الفكرة في بداية ظهورها أشد المقاومة ، وبقيت على موقفها هذا حتى قيام الثورة العراقية التي أجبرت الحكومة البريطانية على إعادة النظر في سياستها العراقية . ومن الغريب أن يكون أول من اقترح ترشيح فيصل ملكا للعراق هو السر آرنولد ويلسن الحاكم المدني العام في العراق بالوكالة ، والذي كان في السابق من دعاة الحكم البريطاني المباشر ، وأدت أساليبه الاستعمارية إلى قيام الثورة العراقية . وقد جاء اقتراحه هذا في برقية بعث بها إلى وزارة الهند على أثر إخراج الفرنسيين فيصلا من دمشق . ( 3 ) وقد تقبل وزير شؤون الهند ، مونتاغيو ، هذا الاقتراح تقبلا حسنا ، ولكن لم يكن بالإمكان اتخاذ أي إجراء عملي بشأنه لأن وزير الخارجية ، اللورد كرزن ، كان معارضا للفكرة ، وأنه
--> ( 1 ) Lioyd George . David , The Truth about the peace Treaties , Vol . I London . 622 . . 1938 . ( 2 ) , Lord Birdwood . Nure As Said : A Study in Arab Leadership , London . 110 . . 1959 . ( 3 ) A ) , 1917 . Wilson . Sir Aronld . Loyalites , Meswpotamia , Vol . II . 306 - 305 . P , 1936 , Clsh of . Loyalties ( , London